الأحد، 7 سبتمبر 2008

الدنمارك

الدنمارك هي إحدى دول أوروبا الإسكندنافية، تقع في شمال القارة. ثلث مساحة البلاد عبارة عن جزر. يحدها من الجنوب ألمانيا و من باقي الجهات هي محاصرة غرباً ببحر الشمال و شرقاً بحر البلطيق و خليج كاتيغات و شمالاً ببحر سكاغيراك. عاصمة الدنمارك هي مدينة كوبنهاغن، المدينة الأكبر في اسكندنافيا.
الاقتصاد و البنية التحتية:
تحولت الدنمارك بعد عام 1945 أكثر و أكثر من بلد زراعي إلى بلد صناعي، و لكن مازالت الزراعة تلعب دور مهم في الاقتصاد. 75% من أراضي البلاد مستغلة زراعياً. الثروة الحيوانية و الألبان هي أهم المنتجات في هذا المجال. عوائد قطاع السياحة أصبحت تشكل عاملا مهما في تنمية اقتصاديات بعض مناطق الدنمارك. مليون سائح من اجمالي مليونين يأتون سنويا من ألمانيا لوحدها. تصدر الدنمارك الطاقة ولدى ميزانيتها التجارية فائض مريح سنويا. حيث يقدر الفائض بأن يكون 39 مليار كورونا دنماركية للعام 2006. لدى البلاد اكتفاء ذاتي من النفط، الغاز الطبيعي وطاقة الرياح. تصدر الدنمارك أيضا الكيماويات، الآلات، الأثاث، الأدوية ومختلف المواد الغذائية المصنعة. من الصناعات الرئيسية الأخرى في البلاد: بناء السفن و الكهربائيات.
75% من القوى العاملة في الدنمارك هم أعضاء في اتحاد نقابات العمال الدنماركية. يمكن وصف العلاقات بين أرباب العمل والنقابات العمالية بأنها اجمالا مريحة، حيث أن للعمال حقوق محفوظة ولديهم ممثلون في مجالس إدارة معظم الشركات. تحديد رواتب العمال يتم الاتفاق عليها بين العمال أنفسهم وأرباب العمل بدون أن تتدخل الحكومة. استطاعت الحكومة الدنماركية أن تتعدى الشروط المطلوبة من أعضاء الاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام للاتحاد النقدي (اليورو). لكن أغلبية الشعب الدنماركي في استفتاء أجري في سبتمبر 2000 كانت ضد قرار الانضمام للوحدة النقدية و تطبيق اليورو. بالرغم من هذا، بقيت الكورونا الدنماركية مرتبطة باليورو.
يبلغ طول شبكة القطارات بالبلاد 2875 كم. إلى جانب شركة القطارات الحكومية هناك أيضاً شركات خاصة تشغل بعض السكك. يوجد 4 مطارات دولية في كل من كوبنهاغن، بيلوند، آلبورغ و آرهوس. كما يوجد عدة موانئ بالبلاد. هناك حركة ملاحية كبيرة مع الدول الاسكدنافية الأخرى. يوجد أيضاً خط بري قائم على جسور فوق البحر يربط الدنمارك و باقي أوروبا بالسويد و باقي اسكندنافيا.
الثقافة والتعليم:
يصعب تعريف أصول الثقافة الدنماركية. بالرغم من ذلك فإن هناك بعض الخصائص التي تميز الثقافة الدنماركية عن جاراتها في شمال أوروبا وخاصة تلك منها الاسكندنافية. الشعب الدنماركي هو عموما شعب محافظ، محب للمزاح وللرحلات ولكن في نفس الوقت شعب يحب العمل. يشار إليهم بأنهم شعب متحضر جدا. يصفهم البعض أيضا بأنهم مغرورون.
ساهمت الدنمارك من خلال علمائها أمثال الفيزيائي نيلز بور في تطوير العديد من النظريات الفيزيائية وخاصة تلك الخاصة بفيزياء الكم. حاز بور على جائزة نوبل للفيزياء عام 1922. المبرمج بيارن ستروستروب مخترع لغة السي بلس بلس (++C) هو من مواليد مدينة آرهوس، يعيش الآن في الولايات المتحدة الأمريكية. الشاعر الدنماركي هلبورغ (Holberg)، اللذي ولد بالنروج، هو أشهر شاعر دنماركي. مؤلفين دنماركيين آخريين لعبوا دوراً مهما في الأدب العالمي مثل أندرسن (Andersen) وبليكسن (Blixen) وينسن (Jensen)(الذي حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1944). لعل أشهر شخصية دنماركية هي هملت (Hamlet)، الذي كان الشخصية الرئيسية في مسرحية وليم شكسبير الشهيرة التي تحمل نفس العنوان. دارت أحداث القصة في قصر كرونبورغ في هيلزينغور شمال كوبنهاغن.
في عصر الأفلام الصامتة، كانت الدنمارك رابع أكبر منتج للأفلام عالميا بعد الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا. هناك حركة سينمائية واعدة في الوقت الراهن بالبلاد.

البحث عن الحقيقة

من المزعج جدا أن ينحصر الخير والحق في جهة دون أخرى وأناس دون آخرين ومن الجهل أن يقدس كلامهم وتهمش آراء الآخرين ويؤخذ برأيهم دون جدال أو اعتراض أو حتى استفسار . لماذا ؟ كيف ؟ من قال ذلك ؟ ما هي الأدلة الداعمة لهذا الرأي ؟ هذه للأسف تعتبر وكأنها أسئلة محرمة لا يجوز لنا أن نطرحها أو نناقشها، كل ما علينا هو أن نسلم بها كما جاءتنا. إن هذه الصورة حقيقة يعيشها كثير من الناس حيث كان من الصعب جدا إبداء الرأي المخالف بل ويعتبر بمثابة إعلان حرب على الأخر.
يقول علي كرم الله وجهه ( من أعجب برأيه فقد ضل ) ويقول عمر الفاروق رضي الله عنه ( أصابت امرأة وأخطأ عمر ) وفي الحكمة العربية نقرأ أن ( الأحمق لا يغير رأيه أبدا) . إن مثل هذه الأقوال تدل دلالة واضحة عن موروث ثقافي رائع ولكنه مختبئ بين تلك الأوراق البالية على رفوف المكتبات ولسنا الآن بصدد مناقشة عوامل التعرية التي أودت بتلك المفاهيم أو أسبابها ونشأتها ولكننا بصدد تقرير وتأكيد بأن علينا تقبل الأخر وطرح مساحة للرأي حتى يتكلم الإنسان ويفكر ، إن من حقوق الإنسان الحر أن يبدي رأيه حتى لو كان مخالفا لما نشتهي بل وندافع عن حقه في إبدائه ونناقش فكرته بعين المصلحة العامة والمنطق السليم عن طريق الحوار البناء الذي بدأ يدب في أوساط مجتمعنا العربي كنوع من التجديد والهروب من الجمود الفكري الذي أصاب عالمنا في قرونه المتأخرة .
وإذا كنا نشجع ثقافة الحوار فمن الجميل أن نستقي الماء من معينه وأن نعرف بداية ما هو الحوار ؟ الحوار في اللغة أصله من الحور وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء . واصطلاحا : مراجعة الكلام بين طرفين أو أكثر بطريقة التداول . وقيل في معنى الحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين ينتقل من الأول للأخر ثم يعود للأول وهكذا، دون أن يكون بين هذين الطرفين ما يدل على خصومة !. ولا تضارب بين الاعتزاز بالرأي والتنازل عنه بل إن من مقاصد الحوار رؤية موضوع معين من زوايا الآخرين. يقول الدكتور عبد الكريم بكار ( إن تعدد زوايا النظر شيء مشروع في كثير من الأحيان. كلما زادت درجة التعقيد في المعطيات كان من المنهجية أن نزيد في درجة المرونة خلال المعالجة والتنظير ) ويقول الدكتور غازي القصيبي (أن الفكرة الواحدة عندما تدخل ألف رأس قد تدخله بألف رداء ) . ومن هنا يمكن القول أن الحوار مطلب مهم في جميع المجالات إلا أن يمس المسلمات أو يتعدى على العقائد . لأن ما دون ذلك يكون في الغالب من صنع البشر ويجوز للإنسان المشاركة والتطوير فيما هو من صنع بني جنسه. فليس هناك حرية مطلقة في كل المجالات ولا قداسة مبهمة دون العقائد والمسلمات ، فللجميع أن يبدي رأيه وللجميع أيضا أن يفكر في قبوله أو رفضه .
ومادمنا قد استعرضنا نموذج للحوار الذي نريد دعونا نتطرق لأخطائه الشائعة على أرض الواقع ومنها : أن يجعل من الحوار ساحة للانقضاض والمواجهة بين الخير والشر واليمين واليسار والطيب والخبيث وفي الغالب أنك لن تخرج من مثل هذه الحوارات إلا بمزيد من مفردات الطعن والتجريح وهذا يبدو أمرا مثيرا للسخرية !!. لأنه ليس من المنطقي أبدا أن نحصر الألوان في ابيض وأسود والحياة في ولادة وموت والبحر في سطح وقاع ونتجاهل ما بينهما. وهذا ينعكس بصورة واضحة في عقم حواراتنا على مستوى الإعلام و المجتمع . ومن زاوية أخرى وفي نفس السياق نجد أن من العدل والإنصاف ألا نطلق الأحكام المسبقة على كلام الشخص ونحكم على رأيه من دون أن نفكر فيما يقول بل نغض الطرف عن التصنيفات السياسية والانتماءات الشخصية والتيارات الدينية ونغوص بعيدا عن هذه القشور إلى أعماق البحر نستمع.. ونفكر.. ونجتهد.. وفي نهاية المطاف ليس هناك شيء ملزم بالأخذ أو التخلي عن فكرة ما ولكنه البحث عن الحقيقة .

التحكم في الحياة

استوقفتني صورة في مجلة من المجلات العالمية في موقف لم تكن تعنيه لكنه أوصل لي رسالة مهمة ونحن في أمس الحاجة لها . كانت الصورة لقطار فرنسي عادي ( المترو ) وكان الموضوع عن القطارات والصورة تحمل خمسة أشخاص على رصيف أصفر وقطار يستعد للوقوف . بيت القصيد هو وضعية هؤلاء الأشخاص فقد كان واحداً منهم يقرأ الجريدة والثاني يحمل حقيبة العمل في يد و قهوته في اليد الأخرى والثالث كانت فتاة تقرأ في كتاب ضخم يشبه الرواية والرابع قادم من أعماق الصورة وهو يكلم بهاتفه المحمول وأما الخامس فهو ينظر للساعة .. إنني أحترم هذه النظرة وهذا مشهد مألوف لمن ألف التحضر وعرف دور الوقت في نسج الحضارة المادية الملموسة . إنه حس معنوي رفيع يعكس جماله وروعته على واجهات الأبنية الجميلة وغزارة الكتب المفيدة ولوحات الرسم الزيتية.
إن ما يميز الرجل أو يعيبه هو سيطرته على الوقت. متى يأتي، ومتى يذهب، لأن هذا يعني بالضرورة أنه يعرف لماذا سيأتي وماذا سيقول، وبالتالي فهو يحضر للقاء بكل حرص وعناية مما يعكس احترامه لنفسه أولاً ثم لمن سيقابل ثانياً. وأعود لنظرة الرجل لساعته وأترجمها مرة أخرى بأنها نظرة للحياة وهي توحي بأنه رجل له أهداف يعرف ماذا سيعمل الآن وما الذي سينجزه غداً.
وعلى خلفية الوقت لي صديق يهتم بالوقت ويسجل مواعيده بعناية وذات يوم اتصل على مسؤول في شركة كبيرة وطلب منه موعداً وقال أنه يريد منه أمراً . فقال المسؤول اتصل بي يوم السبت أو الأحد صباحاً فرد عليه: يناسبك أن أتصل عليك الساعة 10:30 صباحاً يوم السبت . قال المسؤول : نعم . وجاء الوقت المحدد فاتصل الصديق على المسؤول فقال متى ألقاك ؟ قال : يوم الأربعاء صباحاً . عفواً متى تحديداً . قال : الساعة 10 أو 11 تقريباً . فحسم صديقي الموقف قائلاً أعتمد الساعة 10 صباحاً؟ قال المسؤول : موافق . وفي الموعد المحدد يتصل الرجل على المسؤول ويفاجئ بأنه يعتذر عن مقابلته !! حدد موعداً آخراً في وقت لاحق وقد أعطى درساً قاسياً لذلك المسؤول . وفي الموعد الثاني يعتذر المسؤول مرة أخرى ويتلقى الصفعة الأخرى من شاب أصغر منه سناً . فقال المسؤول بكل خجل وانكسار: أنا موافق على ما تريده من دون أن أعرف ما هو وموعد اللقاء كذا وكذا .
ما أريد الخلوص إليه في هذه القصة هو أننا لن نخسر شيئاً عند التزامنا بالمواعيد المحددة، وفي الغالب نكون قد كسبنا احترام الناس لنا على الأقل مثل الذي حدث في قصة الصديق . دعونا نعيد احترام الوقت ونحاول السيطرة عليه والتحكم فيه . فهو حياتنا وعمرنا وأعمالنا وعباداتنا والأثر الذي نتركه من بعدنا. دعونا نتلمس معاني المفردات التي تردد على ألسنتنا، ونتقدم نحن كقدوات لمجتمعاتنا، هيا ندرك الألفاظ ونعمل بالمعاني ونحترم أوقاتنا وننشر هذه الثقافة بين أهلينا وأصدقائنا.
وسوف أختم مقالتي هذه بأن أتراجع عن قراري بترك ساعة اليد - لأنني كنت أقول أن الساعة موجودة في كل مكان ولا حاجة لها في يدي - وسوف أعيدها إلى يدي تقديرا للوقت وسأبدأ بنفسي أولاً في تنظيم المواعيد والتحكم في حياتي عن طريق التحكم في الوقت وأنشر هذه الثقافة بين أهلي وأصدقائي عبر هذه المقالة.

رسالة إلى أساتذة الجامعات

عندما يقوم مشروع ضخم فيكتمل بناؤه ليظهر في أبهى حلله تبدأ العيوب تنهش في أطراف ذلك المشروع ، فقسم من الناس يقف أمام هذا الانحدار ولسان حاله يقول أن دوام الحال من المحال ويتبع قول الشاعر : لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يغر بطيب العيش إنسان ؛ ويظل مكفوف الأيدي يتغنى بماضيه الجميل . ولكن ثمة قسم آخر يرى في أن تجارب الحياة قد أعطت حلولا أخرى للحفاظ على القمة بعد وصولها فتفحص الأشياء وصيانتها قبل تلفها كليا يساعد كثيرا على زيادة المدة في التربع على عرش القمة.
وإذا كانت حضارات الأمم تعتمد في مقوماتها على الفكر والتعليم فجدير بكل أستاذ ودكتور و مثقف أن يباشر النقد البناء قبل عطب الجهاز كليا ، ومادام أن لا أحد معصوم من الخطأ فالأجدر بنا أن نبتعد عن تصفيق الجماهير لعصمتنا الالهيه إلى مراجعة الذات بطريقة عملية تضمن لنا السير في الاتجاه الصحيح .
هناك تأثير عظيم وواضح لرواد العلم وأساتذة الجامعات على أبناءهم الطلاب وعلى مجتمعهم ككل ، فهم كنوز للعلم أتو به من أقطار الأرض لينثروا ثمرة ذلك لأبنائهم الذين يستلمون الراية من بعدهم ، وإذا كان من المفترض أن يكون ذلك فلماذا تسخط العظمة وتبدي عن أنيابها وتظهر روح السلطوية الطاغية على بعض أساتذة الجامعات ليعامل الطلاب على أنهم جناة حتى يثبتوا العكس !.. نعم هم عليَة القوم، ولكن هذا تصرف ملحوظ من بعضهم ويجب أن يقوَم، ومادمنا على قيد الحياة فإن هناك الكثير لنتعلمه ونقوَمه، ولابد لهؤلاء الأفاضل أن يعلموا أنهم أساتذة وبدون طلابهم يسقط هذا التشريف من رصيدهم. وعلينا أيضا أن نوجد من خلال الكفاءات المتوافرة أسلوبا أرقى في التعامل بين المعلم والطالب بدلا من الجفاف الأخلاقي الذي نعاني منه ، ونتحلى بروح الجماعة فالكل فريق عمل والكل له غاية تجمعه ، فلنحققها بأسلوب حضاري جماعي ننجز فيه ذات الغايات التي كنا نسعى لها ولربما كانت بنتائج أفضل وروح أسمى وأطيب .
رسالة أخيرة إلى الذين تعج أصواتهم بقاعات الجامعات بعباراتهم المعروفة والمعتادة ( لما كنا في بريطانيا أو أمريكا ) ، ( في الدول المتقدمة كذا وكذا ..... ) ، أنا أؤمن بالتفاوت العلمي الذي تقصدون ولكن أنتم من عولت عليه الدولة كثيرا للتغيير في المجال العلمي خصوصا أو في المجالات الأخرى عموما ، وأنتم من رأى المعروف بعينه . فهل يصح أن تظلوا في بروجكم العاجية وتتذكرون الماضي دون أن نرى لكم تأثير شعبي أو محاضرات عامة أو تطوع ميداني أو كتبا ومؤلفات في مكتباتنا العامة ؟!!..
إنه من المؤسف أن نرى ذلك النموذج بين قدوات المجتمع ، وكم حاولت أن أتجاهل هذه الأقلية إلا أن المصلحة تصب في عكس ما اشتهيت ، وهذا لا يعكس سوء التعليم بالضرورة بل يؤكد ضرورة التطوير والتطوير الدائم والنقد البناء لأن ذلك هو جوهر الاستمرارية في الاتجاه الصحيح وهو دليل على مستقبل واعد تقل فيه الأخطاء الفردية وتكثر النماذج والقدوات المتحضرة .

السبت، 6 سبتمبر 2008

دنيــا العلــوم

لقد كانت العلوم بمفهومها الواسع مؤشرا واضحا ودافعا قويا على نهضة الأمم وتقدم الشعوب بل وسببا في تغيير سياساتها واقتصاداتها وملامحها الاجتماعية . وضعفها أو حتى نقصها يؤدي إلى ضمور – بقدر متفاوت – في شخصيتها العامة ومدى تأثيرها . وإذا ما استدرنا نحو العصور الماضية فسوف نجد أن الفترة الذهبية في كل عصر تكون متلازمة بالضرورة مع تقدم العلوم فيها.
إن التطور هو نتيجة حتمية للعلم والثقافة وهو مرتبط بمدى الاسقرار الأسري والمادي والاقتصادي والسياسي والعسكري . وإذا قلبنا صفحات التاريخ لاستعراض هذه الحقيقة سنجد في أواخر القرن الخامس ق.م استطاع الإغريق هزيمة الفرس حيث ظهرت إبداعاتهم في شتى المجالات مثل العمارة والاداب والفنون والمسرح والرياضيات والطب وغير ذلك وصارت أثينا حاضرة العالم الثقافية . وفي القرن السابع الميلادي نبض الإسلام في مكة وأخذ يزحف ويمتد ويتسع حتى بلغ أوجه في القرن التاسع حيث انتقل الحكم إلى الدولة العباسية التي حكمت من عاصمتها الجديدة بغداد، فوصلت الحضارة الاسلامية في عصرهم أوج عظمتها ، فأصبحت مدينة ضخمة تضارع بل تتفوق على القسطنطينية في في شتى مناحي الحياة ، وازهرت وقتها الفنون والعمارة والعلوم الاسلامية، وفتحت المعاهد والجامعات الاسلامية وامتزجت الحضارة الاسلامية بغيرها كالفارسية والهندية والبيزنطية ، فتأثرت بها وأثرت فيها . وتم فتح الاندلس وإقامة دولة اسلامية فيها. وقد كان للمسلمين اسهاماتهم الضحمة في مجالات العلوم كالطب والرياضيات والفلك والآداب ، كما نشطة حركة الترجمة حيث ترجم المسلمون التراث الاغريقي الى العربية وحفظوه بذلك من الضياع الى ان ترجم فيما بعد الى اللغات اللاتينية. ثم حدثت الثورة العلمية في اوروبا ثم تبعتها الثورة الصناعية ثم التطور التقني (التكنولوجي ) الهائل الذي شهدته اوروبا وأخيرا استطاعت اوروبا ان تنقل نظمها الادارية والقانونية والسياسية والحربية والاقتصادية إلى مستعمراتها وتمكنت من السيادة والهيمنة.
واليوم أصبحنا في عصر يعج بالمعلومات وتتداخل فيه العلوم وترتبط الاسباب وتظهر خلاصات وثمرات عهد طويل من كفاح الإنسان وأصبح العالم –بفضل الاتصالات والفضاء وسهولة نقل المعلومات – متشارك في الحصول عليها ولكن تحضره وتفوقة مازال مرهونا بالإضافة والإبداع والمزاحمة في طرح الجديد واثبات الوجود في دنيا العلوم .
ومن هنا دعونا نتشارك سوية في النظر إلى أنفسنا وإلى العالم من حولنا ونقيم وضعنا الحالي فنعزز إيجابياتنا ونلمس مواضع الخلل و القصور فينا ومن ثم نبدأ - ولو مبدئيا - في الاصلاح على المستوى الشخصي والاسري -والمعرفي ان امكن – كل في مجال تخصصه يحاول أن يتعمق ويواكب الجديد حوله ويحلل النتائج وينتقد البحوث او التصرفات ويحاول إصلاحها أو يطرح نموذج جديد من نتائج سابقة ويحاول أن يثبت ذلك وينشره ، وفي الجهة المقابلة علينا أن نتفائل ببناء الجامعات ودعم البحث العلمي فيها والتوجه الحالي نحو العلم والتعليم ولا نخفي طمعنا في المزيد من الدعم للبحوث العلمية والاختراع في جامعاتنا الموجودة الان من الجهات الحكومية –خصوصا في الفترة الحالية – ومن الجهات الخاصة مثل الشركات والمؤسسات المستقلة وحتى من الجهات الخيرية ، وأن تزرع مثل هذه الثقافة مذ الصغر في نفوس الطلاب في كتب المطالعة أو الدين أو التعبير مثلا وحتى نصل إلى المرحلة الجامعية فتتولد لدينا بيئة صحية تستوعب العلم وتدرك مدى اهميته وتشارك فيه. وبالتالي نستطيع أن نعزز موقعنا على خارطة العالم ونثبت من خلاله قدرتنا على التغيير والتجديد وأن نكون طرفا مهما في موازنة القوى بين أطراف اللعبة.