‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 7 سبتمبر 2008

التحكم في الحياة

استوقفتني صورة في مجلة من المجلات العالمية في موقف لم تكن تعنيه لكنه أوصل لي رسالة مهمة ونحن في أمس الحاجة لها . كانت الصورة لقطار فرنسي عادي ( المترو ) وكان الموضوع عن القطارات والصورة تحمل خمسة أشخاص على رصيف أصفر وقطار يستعد للوقوف . بيت القصيد هو وضعية هؤلاء الأشخاص فقد كان واحداً منهم يقرأ الجريدة والثاني يحمل حقيبة العمل في يد و قهوته في اليد الأخرى والثالث كانت فتاة تقرأ في كتاب ضخم يشبه الرواية والرابع قادم من أعماق الصورة وهو يكلم بهاتفه المحمول وأما الخامس فهو ينظر للساعة .. إنني أحترم هذه النظرة وهذا مشهد مألوف لمن ألف التحضر وعرف دور الوقت في نسج الحضارة المادية الملموسة . إنه حس معنوي رفيع يعكس جماله وروعته على واجهات الأبنية الجميلة وغزارة الكتب المفيدة ولوحات الرسم الزيتية.
إن ما يميز الرجل أو يعيبه هو سيطرته على الوقت. متى يأتي، ومتى يذهب، لأن هذا يعني بالضرورة أنه يعرف لماذا سيأتي وماذا سيقول، وبالتالي فهو يحضر للقاء بكل حرص وعناية مما يعكس احترامه لنفسه أولاً ثم لمن سيقابل ثانياً. وأعود لنظرة الرجل لساعته وأترجمها مرة أخرى بأنها نظرة للحياة وهي توحي بأنه رجل له أهداف يعرف ماذا سيعمل الآن وما الذي سينجزه غداً.
وعلى خلفية الوقت لي صديق يهتم بالوقت ويسجل مواعيده بعناية وذات يوم اتصل على مسؤول في شركة كبيرة وطلب منه موعداً وقال أنه يريد منه أمراً . فقال المسؤول اتصل بي يوم السبت أو الأحد صباحاً فرد عليه: يناسبك أن أتصل عليك الساعة 10:30 صباحاً يوم السبت . قال المسؤول : نعم . وجاء الوقت المحدد فاتصل الصديق على المسؤول فقال متى ألقاك ؟ قال : يوم الأربعاء صباحاً . عفواً متى تحديداً . قال : الساعة 10 أو 11 تقريباً . فحسم صديقي الموقف قائلاً أعتمد الساعة 10 صباحاً؟ قال المسؤول : موافق . وفي الموعد المحدد يتصل الرجل على المسؤول ويفاجئ بأنه يعتذر عن مقابلته !! حدد موعداً آخراً في وقت لاحق وقد أعطى درساً قاسياً لذلك المسؤول . وفي الموعد الثاني يعتذر المسؤول مرة أخرى ويتلقى الصفعة الأخرى من شاب أصغر منه سناً . فقال المسؤول بكل خجل وانكسار: أنا موافق على ما تريده من دون أن أعرف ما هو وموعد اللقاء كذا وكذا .
ما أريد الخلوص إليه في هذه القصة هو أننا لن نخسر شيئاً عند التزامنا بالمواعيد المحددة، وفي الغالب نكون قد كسبنا احترام الناس لنا على الأقل مثل الذي حدث في قصة الصديق . دعونا نعيد احترام الوقت ونحاول السيطرة عليه والتحكم فيه . فهو حياتنا وعمرنا وأعمالنا وعباداتنا والأثر الذي نتركه من بعدنا. دعونا نتلمس معاني المفردات التي تردد على ألسنتنا، ونتقدم نحن كقدوات لمجتمعاتنا، هيا ندرك الألفاظ ونعمل بالمعاني ونحترم أوقاتنا وننشر هذه الثقافة بين أهلينا وأصدقائنا.
وسوف أختم مقالتي هذه بأن أتراجع عن قراري بترك ساعة اليد - لأنني كنت أقول أن الساعة موجودة في كل مكان ولا حاجة لها في يدي - وسوف أعيدها إلى يدي تقديرا للوقت وسأبدأ بنفسي أولاً في تنظيم المواعيد والتحكم في حياتي عن طريق التحكم في الوقت وأنشر هذه الثقافة بين أهلي وأصدقائي عبر هذه المقالة.

السبت، 6 سبتمبر 2008

دنيــا العلــوم

لقد كانت العلوم بمفهومها الواسع مؤشرا واضحا ودافعا قويا على نهضة الأمم وتقدم الشعوب بل وسببا في تغيير سياساتها واقتصاداتها وملامحها الاجتماعية . وضعفها أو حتى نقصها يؤدي إلى ضمور – بقدر متفاوت – في شخصيتها العامة ومدى تأثيرها . وإذا ما استدرنا نحو العصور الماضية فسوف نجد أن الفترة الذهبية في كل عصر تكون متلازمة بالضرورة مع تقدم العلوم فيها.
إن التطور هو نتيجة حتمية للعلم والثقافة وهو مرتبط بمدى الاسقرار الأسري والمادي والاقتصادي والسياسي والعسكري . وإذا قلبنا صفحات التاريخ لاستعراض هذه الحقيقة سنجد في أواخر القرن الخامس ق.م استطاع الإغريق هزيمة الفرس حيث ظهرت إبداعاتهم في شتى المجالات مثل العمارة والاداب والفنون والمسرح والرياضيات والطب وغير ذلك وصارت أثينا حاضرة العالم الثقافية . وفي القرن السابع الميلادي نبض الإسلام في مكة وأخذ يزحف ويمتد ويتسع حتى بلغ أوجه في القرن التاسع حيث انتقل الحكم إلى الدولة العباسية التي حكمت من عاصمتها الجديدة بغداد، فوصلت الحضارة الاسلامية في عصرهم أوج عظمتها ، فأصبحت مدينة ضخمة تضارع بل تتفوق على القسطنطينية في في شتى مناحي الحياة ، وازهرت وقتها الفنون والعمارة والعلوم الاسلامية، وفتحت المعاهد والجامعات الاسلامية وامتزجت الحضارة الاسلامية بغيرها كالفارسية والهندية والبيزنطية ، فتأثرت بها وأثرت فيها . وتم فتح الاندلس وإقامة دولة اسلامية فيها. وقد كان للمسلمين اسهاماتهم الضحمة في مجالات العلوم كالطب والرياضيات والفلك والآداب ، كما نشطة حركة الترجمة حيث ترجم المسلمون التراث الاغريقي الى العربية وحفظوه بذلك من الضياع الى ان ترجم فيما بعد الى اللغات اللاتينية. ثم حدثت الثورة العلمية في اوروبا ثم تبعتها الثورة الصناعية ثم التطور التقني (التكنولوجي ) الهائل الذي شهدته اوروبا وأخيرا استطاعت اوروبا ان تنقل نظمها الادارية والقانونية والسياسية والحربية والاقتصادية إلى مستعمراتها وتمكنت من السيادة والهيمنة.
واليوم أصبحنا في عصر يعج بالمعلومات وتتداخل فيه العلوم وترتبط الاسباب وتظهر خلاصات وثمرات عهد طويل من كفاح الإنسان وأصبح العالم –بفضل الاتصالات والفضاء وسهولة نقل المعلومات – متشارك في الحصول عليها ولكن تحضره وتفوقة مازال مرهونا بالإضافة والإبداع والمزاحمة في طرح الجديد واثبات الوجود في دنيا العلوم .
ومن هنا دعونا نتشارك سوية في النظر إلى أنفسنا وإلى العالم من حولنا ونقيم وضعنا الحالي فنعزز إيجابياتنا ونلمس مواضع الخلل و القصور فينا ومن ثم نبدأ - ولو مبدئيا - في الاصلاح على المستوى الشخصي والاسري -والمعرفي ان امكن – كل في مجال تخصصه يحاول أن يتعمق ويواكب الجديد حوله ويحلل النتائج وينتقد البحوث او التصرفات ويحاول إصلاحها أو يطرح نموذج جديد من نتائج سابقة ويحاول أن يثبت ذلك وينشره ، وفي الجهة المقابلة علينا أن نتفائل ببناء الجامعات ودعم البحث العلمي فيها والتوجه الحالي نحو العلم والتعليم ولا نخفي طمعنا في المزيد من الدعم للبحوث العلمية والاختراع في جامعاتنا الموجودة الان من الجهات الحكومية –خصوصا في الفترة الحالية – ومن الجهات الخاصة مثل الشركات والمؤسسات المستقلة وحتى من الجهات الخيرية ، وأن تزرع مثل هذه الثقافة مذ الصغر في نفوس الطلاب في كتب المطالعة أو الدين أو التعبير مثلا وحتى نصل إلى المرحلة الجامعية فتتولد لدينا بيئة صحية تستوعب العلم وتدرك مدى اهميته وتشارك فيه. وبالتالي نستطيع أن نعزز موقعنا على خارطة العالم ونثبت من خلاله قدرتنا على التغيير والتجديد وأن نكون طرفا مهما في موازنة القوى بين أطراف اللعبة.

التغيير

التزم السيناتور باراك اوباما لدعم حملته الانتخابية شعار ( التغيير ) وقد اقنع بالفعل جمهور الديمقراطيين بهذا. ما أدهشدني هو الانجذاب الجارف نحو تلك الكلمة والرغبة الصادقة في التغيير الحقيقي نسمع ونشاهد هذه الحملات وهي تنتقد الواقع وتطرح الحلول العملية للتصحيح هذه العقلية التي تبحث ليس فقط عن الجديد ولكنها تبحث عن الأجد والأفضل ولا تكتفي بأنها وصلت بل تقول وتعمل وتناضل لكي تبقى، بالفعل أنا أشاهد عمليا كثيرا من ما ينظرون له وما يرسمونه نظريا وأشاهد أيضا ما لا يمكنني رؤيته في أماكن أخرى من العالم.
لا أود أن أعكر صفو مزاجك بالنظر إلى ماحولك الان لكنه الواقع يا سيدي، وأنت جزء متفاعل بالضرورة مع هذا الواقع، و مناسبة هذه المقدمة تأتي هنا في هذا الواقع أيضا. كيف يمكن أن نعالج هذا الشلل الذي أصابنا منذ حوالي المئتي عام. متى نغير..! وإذا كانت أمريكا تبحث عن التغيير وهي الدولة العظمى فمتى سنبحث نحن عن التغيير. إن المرض الذي أصابنا قد أصاب أعضاء متفرقة من جسدنا وهو أدى بالفعل إلى ضعف في الأداء حتى في أعضائنا الحيوية. والحل يكمن في معالجة شاملة ولا أستطيع أن أكتب خطة شاملة لأعادة تأهيل الجسد ككل لكنني أستطيع أن أقول لنبدأ فورا بالأهم ثم المهم وأن تنأكد من صحة الأعضاء الحيوية التي تعتمد عليها حياتنا ورغم أهميتها كلها لكني سأهتم في هذا المقال بواحدة منهم وأتمنى من الأخرين أن يسهموا بالشكل الصحيح في علاج الأعضاء الأخرى دون أن يبالغوا في العلاج فضرر الزيادة ليس أقل سوءا من نقصانها.
العلم.. هذه الكلمة التي ترددت في القرآن أكثر من خمسين مرة لم تعطى الحجم الكافي من الراعية والاهتمام، هذا العلم مجهول في حياتنا اليومية وفي خطبنا الدينية وفي إذاعاتنا وبرامجنا التليفزيونية. لم أسمع ولم أقرأ عن بحث علمي واحد تبنته جماعة إسلامية ولكني سمعت بل سئمت من كثرت السماع أو القراءة عن مشاحنات وكتب وهجمات من الجماعات الإسلامية ضد بعضها البعض والمزعج في الأمر أنهم تركوا جسدهم المنهك وأخذوا يتجادلون في تصفيفت الشعر أذا تشافي الجسد دون أن يعملوا شيئا لمعالجته ومثال ذلك مشكلة البطالة فقد وصفت منظمة العمل العربية، في تقرير نشر في شهر مارس 2005، الوضع الحالي للبطالة في الدول العربية بـ"الأسوأ بين جميع مناطق العالم دون منازع"، وأنه "في طريقه لتجاوز الخطوط الحمراء". ويجب على الاقتصادات العربية ضخ نحو 70 مليار دولار، ورفع معدل نموها الاقتصادي من 3% إلى 7%، واستحداث ما لا يقل عن خمسة ملايين فرصة عمل سنويا، حتى تتمكن من التغلب على هذه المشكلة الخطيرة، ويتم استيعاب الداخلين الجدد في سوق العمل، بالإضافة إلى جزء من العاطلين. فهل يملك ايا من الجماعات الإسلامية مصنعا واحدا لتشغيل الشباب ودفع البطالة أو أن هذا ليس من الدين وليس من الجسد؟!.. يؤسفني أن لا يكون للاسلام – الجماعات الاسلامية – سبق علمي واحد خلال مئتين عام وربما أكثر إنه خلل في تقدير الواقع وفهم المستقبل .يقول الدكتور عبدالكريم بكار : إن منطق ( ارسطو ) العقيم الذي يقوم على الصدق الشكلي، وعلى بحث القضايا في الذهن لا في الواقع – مازال – يسطر على كثير من طلاب العلم الشرعي من خلال دراستهم لكتب التراث المشوبة بهذا المنطق؛ مما يجعلهم بحاجة إلى شيء من الاهتمام بفهم الواقع وتقديره؛ فقد كان من أسباب انتكاستنا الحضارية الانفصال بين العلوم والواقع المعاش مما حرمها من النضوج والرشاد ، وحرمه من الإصلاح والتقويم !. ويقول أهل الفكر أن الظمأ إلى الماء يدل على وجود الماء فإحساسنا الدائم بالرغبة في التقدم يدل على أن هناك أفضل وأن الوضع الراهن له بديل أرقى وأجمل. رحم الله محمود البارودي فقد كتب عندما شاهد وتوصل للحقيقة التي لم تعيها الجماعات في هذه الأيام فقال: بقوة العلم تقوى شوكة الأمم *** فالحكم في الدهر منسوب إلى القلم *** كم ما بين ما تلفظ الأسياف من علق *** وبين ما تنفث الأقلام من حكم . إنه العلم كل الدلائل حولنا تشير إليه فالدين والحياة والتقدم والحضارة والفن تدفعنا دفعا للتعلم والبحث والنظر والتفكير والتغيير والاستنتاج والإبداع. هذا هو ديننا وأتمنى أن تصل رسالته الكاملة إلى كل أفراد المجتمع الإسلامي وأن يأخذوا بالحكمة الصينية: المعرفة التي لا تنميها يوما بعد يوم تتضاءل يوما بعد يوم .وللأسف ليس هناك تقدم واضح ولا تشخيص دقيق إلى الان ولهذا فإن التغيير مطلوب وممارسة الطبابة مشروعة كل في تخصصه لنبدأ رحلة الكفاح الثانية بعد استراحة طال أمدها تحت ظلال شجرة الحضارة القديمة ومن ثم تصل إلى العالم أجمع رسالتنا الخالدة التي خلقنا من أجلها والمتمثلة في العبادة بمفهومها الصحيح وعمارة الأرض.

الأحد، 24 أغسطس 2008

القمر ... أنشودة الليل

عندما يبدأ الليل يمد خيوطه السوداء ليحيك عباءة من الظلام الدامس فنسدل مستبدا في كل مكان ، تبدأ يد الهدوء باللعب على أوتار قيثارة فعمة بالحب والأشواق لتعزف لحنا للصمت الخالد في كل ليل ، لتنشق على إثره لوحة من ضياء تزف على جنباتها قرصا لؤلؤيا موشى بالخيوط الفضية ، ومزركشا بالنور الهادئ والنقاء ، ليمتد بأشعته الزاخرة بالشقاوة والكبرياء لقلوب انتظرت وجهه القادم من تجاعيد السماء الليلكية ..فما تلبث هذه الأفئدة والصدور إلا أن تبث آهاتها وأنات عواطفها من زفرات متعبة من مسالك أحزاننا اليومية ...فتؤثر هذه الأصوات كبصمات باقية على جبين ليل قادم بعد انتظار ...تراه كيف يمضي هذا القادم الأسود على الناس؟
يمضي طويلا على المتألمين ...وعذبا رقراقا على المتأملين ...وليلا ديكتاتوريا مخيفا على المرضى والعاشقين ..ويصبح ليلنا الطبيعي الدامس لوحة جمال ودفء مضيء على من يعرف لغة الوصل والرضا مع أكرم الخالقين...لتنقلب ساعات هذا الليل إلى ذكريات نخطها على الصفحة الأولى من حياتنا ، ليسهل استرجاعها وتعيد ألقنا وقت تتراكم المتاعب والأحزان...
هو كنغمة أمل باقية في ساعة عسرة زائلة ، وكنسمة عطر فائحة في أجواء الوجوم والهموم ، يمدنا بدفق لا تلقائيا في حياتنا مسلكا جديدا لم نكن نلحظه للسرور والحبور...
في كل يوم يطل علينا...لكن صورته تختلف من يوم لآخر ، بل من ساعة لأخرى وذلك حسبما تضفيه علينا أعماقنا الإنسانية من مشاعر وأحاسيس تشق طريقها لساحة رؤيتنا للأمور ..فينسف بهدوئه تاريخ يوم حافل بالفوضى والسرعة ...ويلغي ماضيا ربما أثقلناه بالهموم ...وربما حرك لحظ العيون لتذرف بدورها أغلى ما تملك ...ومن يدري لربما كان هذا طريق العودة والأوبة لنفوسنا التي تبحث عن صفاءها وسكينتها بعدما نغسلها بعبرات غاضبة ملى ما قدمت أيدينا ...تائبة على ما أضعناه من عمرنا...هو هكذا يطرق بابنا زائرا مع كل ليل ، يحرك ما بداخلنا ، ويقلب برود مشاعرنا ، ويعيد الطريق القويم لكل تائه يبحث عن خلاصه ، فيعد قلوبنا بخفق مختلف...ويعيدنا إلى عهد النقاء والصفاء...ليلمس بريشته الفضية بقعة كدنا نمحوها بذنوبنا تاركا بصمة بيضاء في حياتنا الصماء

الفرق بين الناجح والفاشل

كم مرة سمعت هذه العبارات الوجيزة : إن الفرق بين الناجح والفاشل هو أن الناجح يبحث عن الحلول أما الفاشل فيبحث عن الأعذار ، الأول جزء من الحل أما الثاني فهو جزء من المشكلة .
الناجح لديه خطة وبرنامج ، أما الفاشل فلديه تبريرات .
هذه العبارات التي لا يشوبها الخلل تصف بكل دقة صنفين من الناس احدهما تصالح مع قواعد الحياة والآخر اصطدم بها .
بين المصالحة والاصطدام تفرق الناس لمجد يفتش عن وسائل يطور بها أداءه ، ولخائب مشغول بالبحث عن أعذار يقذف بها في وجه من يلح عليه بالسؤال : لماذا بدر منك هذا؟
نظريا كلنا نهفو لنكون في سرب الطيور المحلقة ، كلنا نتمنى أن نجد لنا مقعدا في القطار المرشح للفوز في السباق .
لكننا حين تمضي بنا الأحداث يظهر للرائي بان قناعتنا السابقة حول جدوى قبول التحديات ليست سوى مزاعم ردها الواقع ، وفضح معها سذاجة النوايا وضعف الهمم .
بالطبع ليس كل الناس هكذا لكن منطق الناس في تقبل الأفكار نظريا يختلف اختلافا كليا حين يباشرون مهامهم اليومية ، وتسحبهم الأحداث التي تمر بهم نحو اتجاه آخر .
قدرة الإنسان على جمع همته والحفاظ على حرارة الأفكار من أن تنطفئ على رصيف الأحداث ، هي التي تفرق ما بين الصدق والادعاء في قبول الأفكار ، التي تجزم لك أن النجاح يأتي من هنا .
ونحن نتخيل النجاح نرسمه فارسا نبيلا ممتشقا سيف الكبرياء ، رافعا هامته يرنو ببصره إلى الأفق حيث مازال لديه الكثير ليفعله في الحياة .
هذه الصورة المعبرة عن وعي بقيمة التفوق واثبات الذات لن تكتمل إذا ما علمنا أن ثمة مسافات ومسافات يقطعها المرء ليجسد القيم النبيلة التي تتوج بالنجاح ، فثمة منحنيات ودروب وعرة تتحدى كل طموح وتلح عليه بان يتراجع ويكتفي بالمحاولة ، فغيره لم يبذل من الجهد أو يجاريه في حزمه ونبل مقصده .
هكذا يخر الناس على وجوههم ، معلنين بلسان حالهم أنهم ينسحبون وان كثرة التحديات لم تترك لهم مجالا للخيار .
إن آفة هذه الأمة في زمن التيك أواي ، والوجبات السريعة والكليب الساقط ، أنها تتعجل النتائج حتى قبل أن تبدأ .
آفة امتنا اليوم أن البحث عن السهل هو المطلب الوحيد للجموع التي فقدت حماس التحدي وانطفأ لديها الإحساس بالرغبة في اجتياز الظروف الصعبة ، لتثبت ذاتها وتعبر عن قناعاتها إذ لم يعد للصبر مكان ، ولا للجلد موضع نملة في نفوس تعرت أمام أول اختبار للصمود ، من اجل بلوغ القمة النائية عن اللغط والغلط والذوبان في الواقع ، الذي فقد طهره منذ أمد .
كان القمة لكثيرين مطلبا ، لكن ما يملكون من همه تقعد بهم عن النهوض .
همة كهمة العجائز ، ثرثرة وإطالة في السرد ، ثم لاشيء بعد ذلك ، ما أكد لنا أننا أمام خيبات يمهد بعضها لبعض .
فالأمم لا تبنى بالشعارات ، ولا ترفع شأنها الثرثرة والعبارات الزائفة التي لا تدع لها أثرا على الأرض .
همة أفراد هذه الأمة تعاني من الدخول في غرفة الإنعاش وان لم تنقذ عناية السماء ما تبقى لنا من عزم لإنجاز ما علينا من واجب الدفاع عن هويتنا ووجودنا ، فسوف تأتي أجيال تتلفت يمنه ويسرة فلا تجد أمامها إلا الأقزام تستنسخ سلوكهم وتحاكي قيمهم وتصل ما بدؤوه ، فتندثر ونحن أحياء ، ونتلاشى ونحن نمشي فوق الأرض ، والسبب ضياع الهمة وتبعثر الذات وسط التحديات التي أتت على بقايا الهمم فزادتها وهنا على وهن .
إن الناجح في الحلول والعاجز يفكر في التبريرات وهذا هو حال الأمم كما هو حال الأفراد .

السبت، 23 أغسطس 2008

علم الجرح والتعديل

في صدر الحضارة الإسلامية مثل علم الجرح والتعديل (علم الرجال ) احد اكبر الروافد التي ساهمت في تعزيز القيم الأخلاقية التي حث عليها الإسلام.
وان كان هذا العلم قد نشأ لحاجة شرعية ملحة تمثلت في جمع أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام من الرواة العدول إلا انه وبصورة مباشرة ساهم في رفع مستوى اللياقة الأخلاقية لدى أفراد المجتمع عامة ، الذين عايشوا هذا الحراك العلمي الذي استوعب طلبة العلم على مختلف تخصصاتهم وتوجهاتهم بعد ذلك .
إذ لم يكن سهلا على أي شخص أن يوصف بالكذب أو التدليس أو الزيادة في حرف من حروف الحديث الشريف ، لان تلك الصفة كانت ستفضحه في كل مكان وتجعله أضحوكة بين الناس .
وإذا أضفنا إلى قيمة النص الشرعية التربية المجتمعية الملتزمة بمنظومة أخلاقية سامية ، سنقف حتما على حقيقة النشاط التربوي الذي استوعب أفراد المجتمع وسما بهم فوق الشبهات والأهواء .
علم نقد الرجال أو علم الرواة كما يسمى في بعض الكتب ساعد على إبراز قيمة الصدق كخط دفاعي يحمي كل ما هم ثمين ومقدس ، وعكس دوره في تكوين مجتمع صادق ينأى بنفسه عن الزيف والكذب والادعاء ، مما حمى الأفراد من الممارسات غير المسئولة التي ضجت بها المجتمعات ذات السقف الأخلاقي المنخفض والتي لم تعد تنكر على أبنائها الخروج عن الآداب العامة .
من الأسئلة التي كثيرا ما بتناقلها الناس : ما جدوى الحفاظ على المبادئ في زمن تسيد فيه من غابت ضمائرهم ، وحكمت فيه المادة ، وأصبح فيه للرويبضة منابر لا يتاح مثلها للشريف المؤتمن .
مثل هذه الاحتجاجات تتزايد يوما بعد يوم لتصنع ثقبا في المفاهيم السائدة في المجتمع ، وتفرز أجواء يسودها الإحباط ويشملها السكون وقلة الرغبة في تفعيل المفاهيم العليا على الأرض .
يقلب احدنا وجهه يمينا ويسارا ليرى أن اللف والدوران وتكريس الفرص للمصالح الشخصية هو السلوك الشائع ، مما يفرز جملة من الأسئلة الموضوعية حول الأسباب الحقيقية لانتكاس القيم على هذا النحو المريع .
كيف علا الزيف ، وساد النفاق؟ وكيف تراجعت معايير الكفاءة والأخلاق أمام طغيان النفوذ والسلطة المادية ؟ وماذا يصنع الإنسان بكم المبادئ النوعية التي يحملها ؟!!
هل يتعامل معها على أنها فائض لا حاجة له بها في زمن غلبت فيه المادة وتسيدت فيه فوق الرؤوس ؟
إلا يتبرأ منها معلنا اندماجه الكامل مع المنظمة الأخلاقية الجديدة ، حتى يضمن لنفسه مكانا في قائمة الرابحين ؟!
هل يتنكر لكل ما وعاه عقله حين كان على أعتاب الدراسة حول دور الالتزام بالشرف ، والمواطنة والصدق والأمانة ، وسائر المصفوفة القيمية الراقية في حماية المكتسبات والارتقاء بالحياة؟
أم يظل شامخا بحزمة المفاهيم التي يملك والمعايير التي تلقاها باكرا معلنا حالة التمرد على زبد الواقع ، وكله إيمان وثقة أن البقاء للأصلح والأجود والأكثر نقاء وإشراقا؟
كيف يقرا التاريخ الذي علمه أن قوة الأخلاق سلاح لا يخذل صاحبه ، بينما يرى أن ضعفاء الأخلاق هم الذين تقدموا الصفوف وحصدوا الفوز ونالوا جوائز الانجاز ؟!!
أسئلة تدور بالليل والنهار في أذهان الأسوياء ممن ما زالوا يتمتعون بالإيمان بان متانة الأخلاق كنز لا ينضب غير أنهم –كسائر البشر- تمر بهم أسئلة صاعقة كلما زاد احتكاكهم بالحياة من حولهم ، ونظروا إلى المعادن الرديئة وهي تكبر وتنتفش ، رغم أن مكانها الذي تستحق هو المؤخرة على طول الطريق .
وحتى لا تكثر الأسئلة ويزداد عدد المغمومين من واقع يحابي الخطأ ويتصنع له ، على الغيورين أن يستفيقوا من هوايتهم في التفرج ، ويعملوا على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وإلا فان مزيدا من التدهور على مستوى الأداء المؤسسي أو السلوك الاجتماعي ستشهد قريبا لان هناك من يتعمد تجاهل الكفاءات في سبيل مجاملات وحسابات شخصية يعود ضررها على المجتمع كاملا .